ابن عجيبة

104

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : تعظيم الرسول صلى اللّه عليه وسلم وإجلاله وتوقيره من أعظم ما يقرب إلى اللّه ، ويوصل إلى رضوان اللّه ، ويدخل العبد على مولاه ؛ لأنه باب اللّه الأعظم ، والواسطة الكبرى بين اللّه وبين عباده ، فمن عظّمه صلى اللّه عليه وسلم وبجلّه وخدمه أتم الخدمة ، أدخله الحضرة ، على التوقير والتعظيم والهيبة والإجلال . ومن حاد عن متابعته فقد أتى البيت من غير بابه ؛ كمن دخل حضرة الملك بالتسور ، فيستحق القتل والطرد والبعد . وإدخاله على اللّه : دلالته على من يعرفه بالله ، وقد يوصله بلا واسطة ، لكنه نادر . ومن أهمل هذا الجانب واستصغره طرده اللّه وأبعده ، وانسحب عليه قوله : وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً ، وكان ممن اتخذ إلهه هواه ، وكان كالبهائم ، أو أضل ؛ لأن من اتبع الواسطة كان هواه تابعا لما جاء من عند اللّه ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تبعا لما جئت به » . وبالله التوفيق . ثم ذكر دلائل توحيده ، بعد بيان من غفل عنها وضل ، فقال : [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 45 إلى 50 ] أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ( 45 ) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ( 46 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً ( 47 ) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ( 48 ) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً ( 49 ) وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ( 50 ) يقول الحق جل جلاله : أَ لَمْ تَرَ يا محمد إِلى رَبِّكَ أي : ألم تنظر إلى بديع صنع ربك ودلائل قدرته وتوحيده . والتعرض لعنوان الربوبية ، مع الإضافة إلى ضميره - عليه الصلاة والسلام - ، لتشريفه وتبجيله ، وللإيذان بأن ما يعقبه من آثار قدرته ورحمته ، كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ أي : بسطه حتى عمّ الأرض ، وذلك من حين طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس ، في قول الجمهور ؛ لأنه ظل ممدود ، لا شمس معه ولا ظلمة ، فهو شبيه بظل الجنة . وقيل : مد ظل الأشياء الشاخصة أول النهار ؛ من شجر ، أو مدر ، أو إنسان ، ثم قبضها وردها إلى المشرق . وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً أي : دائما لا يزول ولا تذهبه الشمس ، أو : لا ينتقص بسيرها . ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ